محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ابنوا لإبراهيم بنيانا ؛ ذكر أنهم بنوا له بنيانا يشبه التنور ، ثم نقلوا إليه الحطب ، وأوقدوا عليه فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ والجحيم عند العرب : جمر النار بعضه على بعض ، والنار على النار . وقوله : فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً يقول تعالى ذكره : فأراد قوم إبراهيم بإبراهيم كيدا ، وذلك ما كانوا أرادوا من إحراقه بالنار . يقول الله : فَجَعَلْناهُمُ أي فجعلنا قوم إبراهيم الْأَسْفَلِينَ يعني الأذلين حجة ، وغلبنا إبراهيم عليهم بالحجة ، وأنقذناه مما أرادوا به من الكيد ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ قال : فما ناظرهم بعد ذلك حتى أهلكهم . وقوله : وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ يقول : وقال إبراهيم لما أفلجه الله على قومه ونجاه من كيدهم : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي يقول : إني مهاجر من بلدة قومي إلى الله : أي إلى الأرض المقدسة ، ومفارقهم ، فمعتزلهم لعبادة الله . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ذاهب بعمله وقلبه ونيته . وقال آخرون في ذلك : إنما قال إبراهيم إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي حين أرادوا أن يلقوه في النار . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت سليمان بن صرد يقول : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ فجمع الحطب ، فجاءت عجوز على ظهرها حطب ، فقيل لها : أين تريدين ؟ قالت : أريد أذهب إلى هذا الرجل الذي يلقى في النار ؛ فلما ألقي فيها ، قال : حسبي الله عليه توكلت ، أو قال : حسبي الله ونعم الوكيل ، قال : فقال الله : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ قال : فقال ابن لوط ، أو ابن أخي لوط : إن النار لم تحرقه من أجلي ، وكان بينهما قرابة ، فأرسل الله عليه عنقا من النار فأحرقته . وإنما اخترت القول الذي قلت في ذلك ، لأن الله تبارك وتعالى ذكر خبره وخبر قومه في موضع آخر ، فأخبر أنه لما نجاه مما حاول قومه من إحراقه قال إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي ففسر أهل التأويل ذلك أن معناه : إني مهاجر إلى أرض الشام ، فكذلك قوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي لأنه كقوله : إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي وقوله : سَيَهْدِينِ يقول : سيثبتني على الهدى الذي أبصرته ، ويعينني عليه . وقوله : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وهذا مسألة إبراهيم ربه أن يرزقه ولدا صالحا ؛ يقول : قال : يا رب هب لي منك ولدا يكون من الصالحين الذين يطيعونك ، ولا يعصونك ، ويصلحون في الأرض ، ولا يفسدون ، كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ قال : ولدا صالحا . وقال : من الصالحين ، ولم يقل : صالحا من الصالحين ، اجتزاء بمن ذكر من المتروك ، كما قال عز وجل : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ بمعنى زاهدين . القول في تأويل قوله تعالى : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ . . . قالَ يا بُنَيَّ . . . إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ يقول تعالى ذكره : فبشرنا إبراهيم بغلام حليم ، يعني بغلام ذي حلم إذا هو كبر ، فأما في طفولته في المهد ، فلا يوصف بذلك . وذكر أن الغلام الذي بشر الله به إبراهيم إسحاق . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قال : هو إسحاق . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ بشر بإسحاق ، قال : لم يثن بالحلم على أحد غير إسحاق وإبراهيم . وقوله : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ يقول : فلما بلغ الغلام الذي بشر به إبراهيم مع إبراهيم العمل ، وهو السعي ، وذلك حين أطاق